الجاحظ
66
رسائل الجاحظ ( الرسائل السياسية )
والنّدامة الطويلة والحسرة في الآجل . وخرجت نسيج وحدك ، أوحديّا في عصرك ، حكّمت وكيل اللّه عندك - وهو عقلك - على هواك ، وألقيت إليه أزمّة أمرك ، فسلك بك طريق السّلامة ، وأسلمك إلى العاقبة المحمودة ، وبلغ بك من نيل اللذّات أكثر مما بلغوا ، ونال بك من الشّهوات أكثر مما نالوا ، وصرّفك من صنوف النّعم أكثر مما تصرّفوا ، وربط عليك من نعم اللّه التي خوّلك ما أطلقه من أيديهم إيثار اللّهو وتسليطهم الهوى [ على أنفسهم ] ، فخاض بهم سبل تلك اللّجج ، واستنقذك من تلك المعاطب ، فأخرجك سليم الدّين ، وافر المروءة ، نقيّ العرض ، كثير الثّراء ، بيّن الجدة . وذلك سبيل من كان ميله إلى اللّه تعالى أكثر من ميله إلى هواه . فلم أزل [ أبقاك اللّه ] في أحوالك تلك كلّها بفضيلتك عارفا ، ولك بنعم اللّه عندك غابطا ، أرى ظواهر أمورك المحمودة فتدعوني إلى الانقطاع إليك ، وأسأل عن بواطن أحوالك فتزيدني رغبة في الاتّصال بك ، ارتيادا مني لموضع الخيرة في الأخوّة ، والتماسا لإصابة الاصطفاء في المودّة ، وتخيّرا لمستودع الرّجاء في النّائبة . فلما محضتك الخبرة ، وكشفك الابتلاء عن المحمدة ، وقضت لك التّجارب بالتّقدمة ، وشهدت لك قلوب العامّة بالقبول والمحبّة ، وقطع اللّه عذر كلّ من كان يطلب الاتّصال بك ، طلبت الوسيلة إليك والاتّصال بحبلك ، ومتتّ بحرمة الأدب وذمام كرمك . وكان من نعمة اللّه عندي أن جعل أبا عبد اللّه - حفظه اللّه - وسيلتي إليك ، فوجدت المطلب سهلا والمراد محمودا ، وأفضيت إلى ما يجوز الأمنيّة ويفوت الأمل ، فوصلت إخاي بمودّتك ، وخلطتني بنفسك ، وأسمتني في مراعي ذوي الخاصّة بك ، تفضّلا لا مجازاة ، وتطوّلا لا مكافأة ، فأمنت الخطوب ، واعتليت على الزّمان ، واتخذتك للأحداث عدّة ، ومن نوائب الدهر حصنا منيعا .